محمد جمال الدين القاسمي
44
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
الكتاب والسنة على أن أكرم الناس عند اللّه أتقاهم . وفي السنن « 1 » عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « لا فضل لعربيّ على عجميّ ، ولا لعجمي على عربيّ ولا لأسود على أبيض ، ولا لأبيض على أسود ، إلا بالتقوى » . و عنه أيضا صلى اللّه عليه وسلم أنه قال « 2 » : « إن اللّه تعالى أذهب عنكم عبّية الجاهلية وفخرها بالآباء . الناس رجلان : مؤمن تقيّ وفاجر شقي » . فصل وليس من شرط وليّ اللّه أن يكون معصوما لا يغلط ولا يخطئ ، بل يجوز أن يخفى عليه بعض علم الشريعة ، ويجوز أن يشتبه عليه بعض أمور الدين ، حتى يحسب بعض الأمور مما أمر اللّه به ، مما نهى اللّه عنه . ويجوز أن يظن في بعض الخوارق أنها من كرامات أولياء اللّه تعالى ، وتكون من الشيطان لبّسها عليه ، لنقص درجته ، ولا يعرف أنها من الشيطان ، وإن لم يخرج بذلك عن ولاية اللّه تعالى . فإن اللّه سبحانه وتعالى تجاوز لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ولم يؤثّم النبيّ صلى اللّه عليه وسلم المجتهد المخطئ بل جعل له أجرا على اجتهاده ، وجعل خطأه مغفورا له ، ولهذا لما كان وليّ اللّه يجوز أن يغلط ، لم يجب على الناس الإيمان بجميع ما يقوله من هو وليّ اللّه ، إلا أن يكون نبيّا ، بل ولا يجوز لوليّ اللّه أن يعتمد على ما يلقى إليه في قلبه ، إلا أن يكون موافقا ، وعلى ما يقع له مما يراه إلهاما ومحادثة وخطابا من الحق ، بل يجب عليه أن يعرض ذلك جميعه على ما جاء به محمد صلى اللّه عليه وسلم فإن وافقه قبله وإن خالفه لم يقبله ، وإن لم يعلم أموافق هو أم مخالف توقف فيه . والناس في هذا الباب ثلاثة أصناف : طرفان ووسط . فمنهم من إذا اعتقد في شخص أنه وليّ اللّه وافقه في كل ما يظن أنه حدثه به قلبه عن ربه ، وسلم إليه جميع ما يفعله . ومنهم من إذا رآه قد قال أو فعل ما ليس بموافق للشرع ، أخرجه عن ولاية اللّه بالكلية ، وإن كان مجتهدا مخطئا ، وخيار الأمور أوساطها . وهو ألا يجعل معصوما ولا مأثوما ، إذا كان مجتهدا مخطئا ، فلا يتبع في كل ما يقوله ، ولا يحكم عليه بالكفر والفسق مع اجتهاده . والواجب على الناس اتباع ما بعث اللّه به رسوله . وأما إذا خالف قول بعض الفقهاء . ووافق قول آخرين ، لم يكن لأحد أن يلزمه بقول المخالف ، ويقول : هذا خالف الشرع !
--> ( 1 ) أخرجه أحمد في مسنده 5 / 411 . ( 2 ) أخرجه أبو داود في : الأدب ، 111 - باب في التفاخر بالأحساب ، حديث رقم 5116 .